في نقد الدولة التسلطية الشمولية

عندما يتحوّل النظام السياسي إلى نظام تسلّطي شمولي فإنه يحوّل المواطنين

إلى جماهير، ثم رعاع، ثم قطيع، ثم مجرّد ظل للزعيم

يوسف محسن

الديكتاتورية تعني: استعباد مطلق

حنه ارندت (1906 – 1976) تعد أحد اهم اعلام الفكر الفلسفي والسياسي في العصر الحديث، يقول عنها ارنست غلنر ( ان حياة هذه الفيلسوفة الالمانية تجسد جملة الحياة الفكرية والسياسية لعدة قرون اوربية فقد ولدت هذه الرائدة في عصر انتقالي مضطرب، عصر الثورات العمالية وعصية السيارتكوسيين والثورة البلشفية الروسية والحرب العالمية الاولى وتهافت الانظمة الليبرالية البرلمانية وصعود الفاشية والنازية في اوربا والستالينية في روسيا العام 1929 والمانيا العام 1933 مع صعود هتلر الى السلطة .

درست حنه ارندت الفلسفة في جامعة مونية ماربوغ وارتبطت خلالها بعلاقة عشق مع الفيلسوف الالماني مارتين هايديغر تركت التلميذ ارندت جامعات نماربورغ حيث عدت هايديغر ( ملكاً خاصاً في مملكة التفكير) لتكمل دراستها عند الفيلسوف كارل ياسيرز في جامعة هايلبرغ .

ماذا أستطيع أن أفعل؟

في رسالة موجه الى مارتن هايدغر بعد وصول النازيين وايدلوجيتهم الشمولية الى الحكم في المانيا العام 1933 تقول (ليس عليك ان تجزع من وصول حزب عنصري الى السلطة فالحقيقة ان التميز في بعض الاحيان يفيد نظرية تأكيد الهوية ، فالمانيا التي نعيشها الان ليست هي المانيا منذ خمسين عاماً، فالاعراق والاصول تختلط بشكل متلاصق، فرنسيون وأرمن وسويديون وايطاليون ، اصبحوا يشكلون بعضاً من ذلك النسيج) .

تلك كانت نقط التحول الفكري القصوى في حياة الفيلسوفة حنه ارندت ، فقد ابتعدت عن الفلسفة النظرية واتجهت الى الحقل السياسي ، في صيف العام 1933 تعتقل حنه ارندت من قبل جهاز المخابرات النازية ثم يطلق سراحها واستطاعت الهروب الى باريس ثم نيويورك لتعمل صحفية ومراجعة لغوية ومحاضرة جامعية .

يبين المؤرخ وكاتب السير يوهان فريدريش ان هناك احتمالاً كبيراً ان يكون هايدغر قد توسط لدى احدى القيادات النازية الكبيرة للافراج عن ارندت حينما تم اعتقالها حيث كان هايدغر مقرباً من رجالات النازية ويشغل منصب عميد جامعة فرايبوج .

اصدرت حنه ارندت سلسلة من المؤلفات المتنوعة في الحقل السياسي والفلسفي منها ( وضعية الانسان المعاصر) ( أزمة الثقافة) ( في الثورة) ( أسس التوتاليتارية) ( في العنف) .

أسس الكليانية

يحتل كتاب ( اصول الانظمة التوتاليتارية) في حقل العلوم السياسية مكانا متميزا ، حيث اصبح واحدا من المراجع الكلاسيكية الكبرى لدراسة ظاهرة النازية الالمانية والستالينية الروسية ، ويعود ظهور مصطلح توتاليتارية (كليانية ، شمولية) tatalitarisme الى الوجود في الحقل الفلسفي ـ السياسي الاوربي الى مقال نشره الفيلسوف الايطالي جيوفاني جنتلي (1944ـ 1875) العام 1928 بعنوان الاسس الفلسفية للفاشية واستعمل تلك المصطلح بمعنى الاحاطة الشاملة في وصف النظام الفاشي ، حيث ان الدولة الكليانية (ايطاليا في عهد موسوليني ، والمانيا في عهد هتلر ، واسبانيا في عهد فرانكو والبرتغال في عهد سالازار والاتحاد السوفيتي في عهد ستالين ) تلك الانظمة الكليانية تؤسس الدولة فيها على أذابة جميع الافراد والطبقات الاجتماعية والجماعات السياسية المتنقلة في الكل ( الامة) حيث يمتلك الزعيم الشمولي جميع السلطات ، فضلا عن ذلك عدم وجود فصل بين تلك السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) فضلا عن ذلك السيطرة على وسائل الاعلام والمؤسسات الايديولوجية ومؤسسات الضبط السياسي ومؤسسات الاقتصاد المركزي المخطط وكذلك يقوم هذا النسق الشمولي الدولاتي على نظام الحزب الواحد الذي يوجد الاندماج بنسبة وبين الدولة في وحدة كلية صارمة يعد هذا الكتاب (وثيقة تحليلية) للفكر الاوربي المعاصر حيث يحتوي على التصورات والمفاهيم التي هيمنت على تلك القارة ما بعد الحرب العالمية الاولى ، ووصلت الى السلطة في ثلاثينيات القرن العشرين .

اعتمدت الفيلسوفة حنه ارندت على تأمل طويل في الوثائق والشهادات التاريخية ومصادر المحاكمات ، فضلاً عن الوثائق التي سربها المعارضون الشيوعيون في روسيا حيث استطاعت ارندت الوصول الى العوامل والبنيات السياسية والاقتصادية والازمات التي عصفت في تلك المجتمعات ميلاد وظهور النازية الالمانية والستالينية السوفيتية.

مجتمع من دون طبقات

في المرحلة الاولية لنمو الدولة الشمولية تجري عملية تحويل الطبقات الاجتماعية في المجتمع والفئات المستقلة الى (جماهير) ( قطيع) ( رعاع) حيث ترى حنه ارندت ان القادة الشموليين طالما يقوا على قيد الحياة حيث انهم يبسطون سلطتهم مستندين الى الجماهير المتحولة ) فقد بلغ هتلر السلطة بصورة شرعية ووفق قاعدة الاغلبية الحاكمة وما كان لستالين ان يستمسكا بزمام سلطة على شعوب عريضة وان يصمد في وجه ازمات داخلية وخارجية لو لم يكن حائزا على رضا الجماهير، حيث ترى ارندت ان المانيا لم تقارب على اقامة نظام شمولي ( كلياني) حقيقي إلا بعد ان وفرت لها الحملات الشرقية جماهير بشرية عظيمة، باتت معها معسكرات الاعتقال والابادة ممكنة ، حيث تعد الجماهير) المادة الاولية التي لاتنضب في سبيل تغذية الاستبداد الكلي وآلياته التي لاني عن تراكم السلطة وتدمر البشر هذه الجماهير تكشف عن شهية لاتقاوم الى الانتظام السياسي فاقدة للمعايير الاخلاقية تبين ارندت ان انهيار منظومة الطبقات الاجتماعية وهي التفريغ الاجتماعي السياسي الوحيد السائد في الامم الاوربية، احد الاحداث الاكثر مأساوية في تاريخ المانيا كما كان هذا الانهيار مؤاتياً لانطلاق النازية، يمثل ما كان غياب التفريغ الاجتماعي في صلب الاعداد الهائلة من سكان الارياف في روسيا (هذا الجسد الكبير والرخو، العديم التربية السياسية والذي يكاد يكون ممتنعاً على الافكار الجديرة بتشريف الفعل) حيث تم تنظيم الجماهير باسم العرق او باسم الطبقة .

تحلل المفكرة ارندت طبيعة الطبقات الاجتماعية وآليات انهيارها في المانيا وروسيا، وظهور النزعات السلاقية الروسية والجرمانية الالمانية حيث ان تضخم اعداد (الجماهير) في تلك المجتمعات جاءت نتيجة التضخم واعداد البطالة وتصدع المجتمع الذي اعقب الهزيمة العسكرية الالمانية في الحرب العالمية الاولى والفوضى السياسية في روسيا (وسط هذا المناخ وخلال انهيار مجتمع الطبقات الاجتماعية اخذت تتنامى نفسية رجل الجمهور الاوربي ، هذا الجمهور القائم على محو الاختلافات الفردية او المصالح المشتركة، أكانت اقتصادية أم اجتماعية او سياسية ، لقد نشأت تلك الجماهيرية في مجتمع طبقات بلغت فيه التشققات مبلغاً بحيث لا يلجم اجزاءه إلا الشعور الوطني المتشدد ، حيث ان ستالين كان متحدراً من جهاز التآمر في الحزب البلاشفي، اما حزب هتلر فقد كانت اصوله مكوناً بصورة تكاد تكون تامة من الفاشلين والمقامرين. وترى الفيلسوفة حنه ارندت: ان الاحزاب الشمولية هي بحاجة الى تلك الظروف التي تكون فيها الجماهير مفتتة ومشظاة وغياب بنية مجتمع.

ففي النظام البولشفي السوفيتي جرت عملية تصفية الطبقات لاسباب ايديولوجية ودعائية وخاصة الطبقة الوسطى ربيبة المدن الحضرية وكبار المزارعين والملاكين فقد امضى ستالين في تصفيتهم متوسلاً سياسة التجويع والتهجير والاحكام الاشغال الشاقة ثم اجريت عملية تصفية طبقة العمال ، عبر تحطيم كل تضامن وكل وعي طبقي بين العمال وفي العام 1038 تحولت مجموعة الطبقة العاملة السوفيتية الى جيش عرمرم من المحكومين بالعبودية المحض، وتم التخلص من الارستقراطية الادارية والعسكرية والثقافية في المجتمع السوفيتي وان هذه التصفيات المستمرة والدائمية حرمت المشاريع الصناعية الكبرى من طبقة المدراء ومهندسي المعامل والتقنيين الروس الجدد ، بلغ ضحايا التطهيرات المستمرة خمسة عشر مليون انسان ، مما أصاب المجتمع السوفيتي بالتشتت الجماعي وتدمير الروابط الفردية الاجتماعية والعائلية وخلق (الفرد الواشي) واختلاق الادلة للحفاظ على وجودهم المحض .

الدعاية السياسية

في الدولة الشمولية (الكليانية) تجري عملية تكييف مستمر للذاكرة الجماعية واعادة صياغة الوعي ونموذجه المخيال الثقافي والسياسي ، عبر التلقين العقائدي وممارسة العنف لتحقيق عقائدها الايديولوجية واثبات مزاعمها التطبيقية للوصول الى اخضاع المجتمع ، تقول حنه ارندت ان قوة الحملة الدعائية السياسية للدولة الشمولية تكمن في قدرتها المتعاظمة على قطع الصلة ما بين الجماهير والعالم الواقعي، واقامت عالم متوهم ومتسق العناصر منسجم مع عقائد الحزب (الفاشي، (البولشفي)، البعثي) الغرض من ذلك تجنيد (الاتباع) وتنظيم قمع الحياة الداخلية والخارجية للافراد والجماعات عبر تحويل العالم البشري الى عالم مزيف من الاستقرار المزيف والعبط ما يفقد تلك الأفراد القدرة على التميز بين العقلانية واللاعقلانية بين الخير والشر بين الحق والباطل وتصبح الأشياء كلها تمتاز بالاتساق المطلق ضمن هذه المنظومة الدعائية العقائدية المغلقة للدجولة التسلطية الشمولية، حيث إن الدعاية التي مارسها المنظرون الايديولوجيون للدولة الفاشية او الستالينية تقوم على المخادعة والخداع وتشويه الحقائق والوقائع واخفاء الحقيقة، حيث يجري خلق عوالم على صعيد المجتمع قابلة ان تصدق تلك الاطروحات المنافية للعقل والاخلاق ، تؤوله الزعيم (هتلر،ستالين) وتضعه فوق ـ بشري، فهو الزعيم المعصوم هو ليس رئيساً للدولة وانما مرشد للشعب حيث كان (هتلر، وستالين) يعدان نفسيهما انبياء العصر .

 الهيمنة على السلطة

في هذا الفصل تحلل حنه ارندت آليات وصول الجماعات والاحزاب الكليانية الى السلطة السياسية والتحكم بالمجتمع ، استناداً الى تجربة الستالينية في الاتحاد السوفيتي وتجربة النازية في المانيا ، حيث ترى حنه ارندت أن احدى ميزات تلك الانظمة السياسية هي (الاحادية) في النسق الايديولوجي والحزب الواحد وتعمل وفق القانون (قانون التاريخ بالنسبة للشيوعية الستالينية وقانون الطبيعة بالنسبة للنازية) تبين ارندت ان الدولة التسلطية الكليانية تقوم على الطابع العديم الشكل حيث ينقسم الى سلطة ظاهرة وسلطة واقعية ، بحيث ترى ان الجهاز الحكومي في الدولة الفاشية والستالينية يعد الواجهة التي تتوارى خلقها السلطة الواقعية التي يمارسها الحزب وتشكل حماية لها). تقول ارندت (كانت الآلة الادارية ابان الرايخ الثالث عرضه لازدواجيته في الخدمات على كل المستويات، وقد جعل النازيون يضمنون سيطرتهم التامة على جهاز الدولة، وبدقة متناهية عبر ايكال كل وظيفة في ادارة جهاز الدولة الى اعضاء الحزب الحاكم بالاضافة الى الموظف الرئيسي فيها ، فضلاً عن ذلك أمضى النازيون الألمان الوقت في انشاء تنظيم آخر ينافس أجهزة الدولة، أجهزة بديلة). اما جهاز الحكم البلشفي السوفياتي فكان يعتمد انشاء المزيد من الاجهزة المتداخلة في سبيل دفع مراكز السلطة القديمة الى الظل وتتم معالجة التضخم في تلك الأجهزة البيروقراطية عبر التصفية المرحلية التي كانت تشكلها حملات التطهير المتوالية توضح ارندت ان ثلاثة تنظيمات منفصلة بعضها عن البعض داخل جهاز الدولة السوفيتية كانت تمارس الحكم : جهاز السوفيات او الدولة وجهاز الحزب وجهاز مفوضية الشعب للشؤون الداخلية وكل هذه الاجهزة الثلاث تمتلك دائرة في الاقتصاد ودائرة سياسية ودائرة عسكرية).

وتحلل ارندت طبيعة الاجهزة الامنية والمخابراتية ودرجة السيطرة والأدلجة على الفضاء العمومي حيث يصبح جهاز البوليس السري اداة الحكم المطلق عبر خلق خلايا داخل بنية المجتمع قادرة على التقاط التفاصيل وارسالها الى هرمية السلطة الامنية ، وصناعة اجهزة مرتبطة بالحزب الواحد الحاكم واجهزة مرتبطة بجهاز الحكومة واجهزة سرية تتجسس على تلك الاجهزة، ان وسائل السيطرة الكلية للنظام الكلياني تقوم على وسائل القمع السياسي وتدمير التقاليد الاجتماعية والسياسية والتشريعية وتحويل الطبقات الاجتماعية والفئات المتنقلة الى حركات جماهيرية، فضلاً عن ذلك تنقل مركز السلطة من الجيش الى اجهزة الشرطة (الامن الوطني، مديريات الامن العامة، مديرية الشرطة) ونتيجة لتلك التنظيم المجتمعي يجري تفكيك الروابط الطبيعية للتضامنات البشرية وتحل محلها علاقات هلامية زائفة وافساد تلك الروابط التلقائية وتحويلهم الى كائنات فاشلة مغتربة ضائعة، بربرية، مسلوبة الذات.

الأصول الأيديولوجية

يرى خالد غزال ان السمات العامة للايديولوجية النازية ، الفاشية ، الستالينية ، تركز على خلق انسان جديد يتسم بشكل رئيسي بالاخلاص للدولة والزعيم والانضباط الحديدي والطاعة المطلقة والعماء في تنفيذ الاوامر والتضحية غير المحدودة من اجل انتصار الأمة ، وتحتل نظرية العرق الصافي موقعاً خاصاً في شحن الجماهير بعصبية خاصة وهذا أمر تترتب عليه لاحقاً ممارسات مرعبة من تصفيات وتطهير في سبيل الحفاظ على الطبيعة القومية للأمة، وتورد حنه ارندت نقاطا من خطابات الفوهير هتلر ونصوص من كتاب (كفاحي) حيث يقول في احد المقاطع (ليست الدولة وسيلة من اجل غاية فالغاية هي الحفاظ على العرق) فضلاً عن ذلك ان هتلر (لن يقر للامم الاخرى بنفس حق الامة الالمانية) بحيث تحولت تلك الاقوال الى مبادئ عليا للعقيدة النازية . وبهذا تحولت الايديولوجية الكليانية الى مزيج من هيغلية تؤوله الدولة ونيتشوية تؤوله الزعيم الاوحد ودارونيه اجتماعية. كما يقول فالح عبد الجبار تسعى البقاء للأصلح والأقوى وتدوس الاجناس والقوميات الضعيفة، ما كان لتلك الايديولوجية ان تنتصر رغم انها خلائط غير متسقة الا بعد نشوء المدن العملاقة التي دشنت عصر المجتمع الجماهيري حيث الحشود السديمية وظهور وسائل الاتصال الجماعية (الراديو) وكذلك رد فعل على صعود الطبقة الرابعة عمال المدن وروسيا الثورية والمهانة القومية هزيمة المانيا وخروج ايطاليا من الحرب الاولى وخراب روسيا السوفيتية الصناعي والزراعي حيث نمو الفردنة واللامبالاة اتجاه العمل السياسي واعادة تسييس الجماهير، واعادة صياغة الدولة والنظم الرمزية والفن واللغة والثقافة تحت هاجس الطهارة والنقاء والتطهير .

 تلك الايديولوجية الكليانية، تعد منظومة متكاملة في التفسير والتأويل والاجابة وتمثل الحقيقة الكاملة، بحيث يجري الدمج بين الدولة والمجتمع السياسي في الحزب والتهام المجتمع المدني .

About these ads

عن addastour

جمعية وطنية أهلية تعنى بثقافة الدستور ودراسة التشريعات الليبية وأثرها على الحياة العامة
This entry was posted in مقالات, موضوعات دستورية. Bookmark the permalink.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s