الدساتير بين التمسك بالتقليد والتهيب من الحداثة

 يرى هيغل الفيلسوف الألماني (1884-1919) أن وظيفة الهيئة القضائية في المجتمع المدني هي تحويل (الحق) إلى قانون له سمة الشمولية وبنظام واع وموضوعي خلاف العرف أو التقليد الذي قد لا يتمتع بسمة الشمول والمنحى الكلي وتحت مظلة الحياد.  

ومن هنا نقول أن التقاليد الاجتماعية قد تكون في كثير من مواصفاتها التنظيرية أو من خلال توظيفها في حياة القوم تحيزية وغير قادرة على أن تكون محايدة وإن بدت أحياناً كذلك ولكن لحين فهي قد تتغير تبعا في أدائها الوظيفي أو تبعا للهدفية المؤقتة التي تقف وراء التقليد والتي يمكن أن يناور مسوق التقليد من أجل الإيفاء بالذاتية على حساب الموضوعية..  لا بل أن جرائم قد ارتكبت في التاريخ بحكم التقليد.

 ومع هذا اذا طبقت التقاليد على أساس كلي فانها تتخذ لنفسها شكل القوانين الوضعية في المجتمع الذي تسري فيه وقد وجدت التقاليدية سوقا لها عبر التاريخ وهي تقف على طرفي نقيض لمجمل الفلسفات الاوربية النهضوية التي ظهرت في اوربا في زمن الاصلاح ذلك ان القانون هو الحكم الحقيقي بين كل اشكال التنافس او التضاد لان المجتمع من وجهة نظر معظم الاجتهادات في مجال المجتمع المدني هو مجتمع تناقض المصالح وتقاطعها والقانون يمنح هذا التناقض عقلنته ومنطقيته في اطار الصالح العام.

 ان قانونا وظيفته تنظيم حياة المجتمع المدني لا بد وان يكون من معدن المجتمع المدني نفسه والا فان غرابة القانون عن النسيج الاجتماعي هي بحد ذاتها اشكالية تختزن كل مبررات فشل التجربة المدنية في أي مجتمع وما ذكرناه عن تقنين التقاليد الاجتماعية ينطبق على شرعنة الديانات والمحاولات العقيمة لانجاب مجتمع ديمقراطي او مدني.

 ان الواضعين للقانون ومن هذا المنطلق هم انفسهم ايضا يجب ان يكونوا من معدن ما يضعون… ومن هنا جاءت مقولة الفيلسوف الالماني هيكل المعروفة (ان القوانين يجب ان تسنها عقول واعية).  

 والسؤال هنا.. واعية بماذا؟ ان هيكل غير موجود ليجيبنا لكن منطق وتداعي الفكر الهيكلي وبما تقدم بلاشك ياتينا بالاجابة اليقينية.. ان واضعي القانون للمجتمعات التواقة الى تاسيس مجتمع مدني يجب ان يكونوا واعين (مؤمنين) بعملية التمدين الاجتماعي.

 لذا فمن حق المجتمعات ولا سيما الشرائح المثقفة الواعية ان تقلق ازاء ما ينتظرها من دستور وليس في يدها ما تستنجد به لتتصدى لما يحدث غير الاستفتاء على الدستور.. لكن للاسف ان ما يحدث في الاستفتاءات على الدساتير وهذه مسالة ديمقراطية محضة- ان الشعب هو الذي يستفتي واذا علمنا ان مصطلح (الشعب) هنا معناه غلبة غير واعية الى جانب قلة واعية فان كثيرا من الدساتير يمكن ان تمرق من قبضة الاستفتاء عليها وليس هذا غريبا فالتصويت وغلبة التأييد فيه لاتعني دوما (الصحيح)… وان سقراط اعدم بالتصويت على إعدامه من قبل شعب اثينا. ثم بعد مدة بكاه شعب اثينا!!

 الاشكالية هنا.. ان تنطلق من منبع التيار او الجدول (المعين) ونقصد هنا بداية عملية التشريع او كتابة مسودة الدستور. والسؤال الذي ادى دورا اساسيا في الصراع بين التقليدية القضائية والتجديد على اساس المجتمع المدني هو هل من الاسلم ان نضع القانون على وفق اهداف مرسومة تهدف الى التغيير الاجتماعي الجريء او علينا ان (نشرب) ما حولنا من تقاليد واعراف وقيم اجتماعية ودينية ونتمثلها على انها القوانين التي تحكم المجتمع ونطالب في ذات الوقت بالمجتمع المدني كحالة حضارية، بالتاكيد هذا ضرب من ضروب التخدير المجتمعي فأهم ما تتصف به المجتمعات المدنية هو الحداثة والحداثة لايمكن ان تكون نسخة ثانية من الماضي مثلما لايمكن ان تكون امتدادا توليفيا ففي ذلك جمع بين النقائض والنتيجة هجينة تنأى عن النقاء المطلوب وهذا يكلف المجتمع مزيدا من الازدواجية والتخبط، فلو كان الماضي ينجب مجتمعا مدنيا لكان قد انجبه وما من مسوغ للمطالبة به.

 ان المجتمع المدني فضلا عن انه ممارسة جديدة للحياة الاجتماعية والقانونية فهو النظام التجديدي المختلف في بناه واسسه التي يقف عليها ولاتغيير او حراك باتجاه المجتمع المدني من دون تغيير في البناء التشريعي للمجتمع المصحوب بالتنفيذ الجريء الواقعي دون تهيب من هذا الجريء ذلك ان القانون هو الحكم الحقيقي بين كل اشكال التنافس او التضاد.

 وعند الحديث عن الدستور وما يشتق منه من قوانين يجب ان نعي مسالة جد مهمة.. وهي النقلة بين التدوين والتنفيذ فهناك فرق بين ان يكون لدولة قانون والقانون لاينفذ، اولها دستور من باب (الديكور الديمقراطي) وليس من اجل تحويل “الحق” الى فعل.

 ومن هنا نجد دولا فيها دساتير… ويقال ان الدولة الفلانية، لها دستور والامر شبيه بمن يصرح ان البيت الفلاني فيه (حديقة) ويقف هذا البيت عندئذ الى صف كل بيت فيه حديقة. ولكن هل ينتهي الامر عند هذا الحد..؟ ان عشرات الامثلة يمكن ان تساق حول (حديقة).

هل هي حديقة انيقة مشذبة تجمع اطيافا من الورود ولا تجمع بين الورد والشوك.. هل اديمها جيد وهل لها قدرة على التجدد والعطاء وفيها تنوع موسمي ام انها تنتهي بانتهاء موسم واحد وهل تستوعب كل اهل الدار في مساحتها وهل.. وهل.. انها خرابة بقي اسمها في التنصيف الرسمي (حديقة)!! كل شيء جائز.

 من يقرر ذلك؟ الواعون… المخلصون.. غير المتهيبين من تحديث صيغ الحياة.. غير الادعياء. ولن نقول اكثر

لقد وجدت ان معظم واضعي دستورنا كانوا يمثلون دور واضع الدستور اكثر من ان يكون واضعين فعليين للدستور.. هذه حقيقة ربما بانت نتائجها في مستقبل قريب او بعيد لان الفرق شاسع بين ما هو نظري وما يمكن تطبيقه على ارض الواقع… لست ادري.. المشكلة ليست في الدستور، ذلك ان الدستور يكتب ويصوت عليه وسواء كانت مسيرة كتابة واقرار الدساتير عسيرة ام يسيرة فلابد من نهاية.. او انجاز.. ان المشكلة الحقيقية ان المخالفات في شرق اوسطياتنا تبدأ بعد كتابة الدستور.. لابل وكأن اعلان الدستور هو بمثابة مظلة او سمة دخول (فيزا) الى ساحة الديمقراطية وبعد ذلك تجوز كل الممارسات اللاديمقراطية.

 ان جواز المرور الى الديمقراطية معناه جواز المرور الى ممارسة الديمقراطية وليس سوى ذلك باي حال.

والا كيف يمكن تبرير كل الاخطاء والتجاوزات والمواقف اللاموضوعية والقرارات المحيرة للشعوب تحت قمم البرلمان وفي ظل الدساتير؟ معظم الاخطاء والتجاوزات تتأتى من غموض الدستور وازدواجيته وتناقضاته، فضلا عن ضعف السلطات المنفذة لابل من ادعائه الحداثة والتمدن من جهة وتمسكه بكل اسباب اللاحداثة كي يبقى مقبولا من اكثر من فريق وهنا نكون قد اوصدنا الباب ثانية امام فرص التغير الحقيقية.. فرص الثورة الدستورية. ومن هنا ايضا تصبح الفدرالية المرتبطة بدساتير اقليمية هي الحل الوحيد لتمكين الدستور من عكس امنيات المجتمع الاقليمي بخصوصية وكذلك لمنحه فرصة احراز اعلى نسبة من الثقة. فالعلاقة جدلية بين الواقع الاجتماعي وما يفرزه هذا الواقع من دستور ثم ما يحظى به من ثقة في التصويت.

About these ads

عن addastour

جمعية وطنية أهلية تعنى بثقافة الدستور ودراسة التشريعات الليبية وأثرها على الحياة العامة
This entry was posted in مقالات and tagged . Bookmark the permalink.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s